التقته مجدداً عند ناصية الموت ...
كانت ترتدي رداء أبيضاً طويلا وتقف حيث توجد المشنقة الروحية
لم تبدِ له أي اهتمام ... كان يرقد ونظره معلق إلى السماء ينتظر نزول اللعنة
تستدير في اتجاه الهاوية السوداء ... وتتناثر قطرات دمعها وتهبط إلى القاع المظلم .. رنا إليها بنظر عطف وشفقة ثم سألها بهدوء :
أتبكي ؟
أجابته بغلظة دون أن تهتم لشيء
وما شأنك أنت ؟
سؤال كشف عما يضيق به صدرها من عتاب وما عانته من ألم و عذاب ..
غير أن هذا السؤال أوجد في نفسها شيئاً من الحنين والشوق فبادرت إلى سؤاله بنبرة هادئة :
أيهمك بكائي ؟
نقلَ صدى الصمت آخر حروفها إليه لكنه لم يبالِ ، وكأن شيئاً لم يحدث
جلستْ بعد أن ولت وجهها شطر تلك الهاوية السوداء وطفقت تحكي قصتها دونما توقف بعد أن غطت سحائب الكآبة سماء ملامحها بإحكام :
أسمي تانيت..
عمري من عمر هذا التراب الذي ندوسهـ بكل وقاحة ..
ولدتني قطرة مطر( هناك)
في أقصى السماء
كنت الأنثى الوحيدة والمدللة ،
لكنني كنت منبوذة من قبل نساء القبيلة (هنا)
منبوذة لأن أمي كانت من السماء ...
أرتكب والدي بزواجه من أمي عملاً مخالفاً لطقوس الأرض فعوقب على ما فعل .
تحكي لي لحظات القدر كيف كان أول لقاء بينهما .. كانت أمي تتألق على إحدى الروابي عند بحيرة مسحورة وهي ترصع نفسها بالزهور البيضاء عندما مر والدي صدفة من هناك .
ألقى عليها التحية ... ثم سألها :
ـ هل أنت قطرة ندى ؟
أجابت بأنها لم تكن سوى قطرة ارتكبتٌ خطأ حين عارضت أراء هم فأرغموها على الهبوط إلى الأرض كي تدوس طهرها نعالهم الآثمة ...
ولأنها طاهرة فقد منحنها الله فرصة العيش وأوصلتها الرياح إلى هنا ، وقد اتخذت من هذه البحيرة و الأزهار موطنا لها ...
أطرقت أمي بفكرها قليلا ثم سألته :
وأنت ؟ ما الذي جاء بك إلى هنا ..
أجابها :
ـ لا تبالي .. فبعض الأمور يجب علينا نكرانها كي لا يجرح دمعها مقلتينا .. فالأحزان العميقة تعلمنا بأن لا نشكو يا صبية .. ـ أتتخذينني موطنا لك !
أجابته متسائلة :
وهل سأترك الزهور البيضاء ..
فطمأن خوفها على الزهور بفكرة حملها معهما .
وعلي هفهفة نسائم الأزهار البيضاء وأريج عطرها المنتشر عبر مساحات الزمن في دنيا النصيب تزوج أبي من أمي ... أحبها حبا كبيراً فأنساه هذا الحب جميع أحزانه .
غير أن سنن وفرمانات السماء لا تعترف بمثل هذه المعادلات وترفض إقامة أي نوع من هذه العلاقات .. فامتزاج قطرات الندى ببني البشر أمر تجرمه السماء .. فأرسلت جيوش استيائها برقاً ورعداً وهي تطلب عودة أمي .
حاول والدي إخفاء حزنه وألمه حين تأكد من أن هناك ثمة أمر سيحدث عندما أجهشت أمي بالبكاء وهي ترفض العودة إلى هناك .
صرخت بصوت عال في وجه تلك الجيوش :
ـ ألم تدركوا قيمتي إلا عندما زرعتُ السعادة في داخلي ..
أيضيركم أن أكون في رغد من العيش هنا ..
أرحلوا عني واتركوني أرفل في سعادتي فما عدتُ ارغب في العودة إلى هناك ...
غير أن عباراتها قد تلاشت أمام تعنت وجبروت تلكم الجيوش وساروا بها إلى هناك .. إلى حيث أرادوا .. ليتركوا والدي وهو يصارع غول الوحدة والحزن ويفترش قارعة الكآبة الألم .
بعد مرور عدة أشهر ـ لست أدري أتسعة هي أم أقل من ذلك أو أكثر ـ أنجبتني أمي ..
أذكر تلك اللحظة ..
نعم أذكرها بكل تفاصيلها ..
أنجبتني ليبدأ الموت في غرز أظافره الحادة في جسدها الضعيف
لازلتُ اذكر وصيتها لي ساعة احتضارها ..
اذكر أنها قالت :
_عزيزتي ،،، عندما يكتمل القمر ستتجمع قطرات المطر الهرمة لتبدأ في الهبوط إلى الأرض فرارً من الموت ، اهبطي معها دون أن يشعر بوجودك أحد ..
خذي معك هذه الزهرة البيضاء ، وابحثي عن رجل تحيط بمنزله أزهار بيضاء ـ امنحيه قبلتي وأعطه الزهرة" ـ سوف يدرك من أنتِ ..
ماتت أمي وحملتُ حقائبي ودموعي وهبطتٌ إلى الأرض ...بحثا عن ذاك الرجل ـ
على ضفة من ضفاف إحدى البحيرات الجاثمة على صدر إحدى الصحارى ألفيت منزلا متواضعاً تطوقه الأزهار البيضاء وتحاصره الأحزان من كل جانب .. اقتربتُ من ذاك المنزل ..
وكلما زدت اقتراباً تعالت آهات حبلى بالشوق والحنين .. بهدوء وحذر طرقت الباب .. لم يستجب لي أحد فلم أجد بداً من التوجه إلى الباب الخلفي .. حملت نفسي بقوة وشجاعة ودلفتُ إلى الداخل وبيدي تلك الزهرة .. في زاوية من زوايا إحدى الردهات وجدته قابعاً ولسان حاله يقول لازلتُ هنا منذ أن اختطفها أولئك الجنود واقتادوها إلى هناك .. ترقرقت دمعة بمقلتي ثم انسابت على وجنتي حتى تذوقتُ ملوحتها .. ها هو النصف المفقود من عالمي على مقربة مني .. إنه أبي .. لم أنبس ببنت شفه نزولاً عند رغبة والدتي .. لقد طلبتْ مني تقبيله ومنحه هذه الزهرة قبل أي شيء . تقدمت في اتجاهه خطوات معدودة لإعطائه الزهرة غير أنني لم استطع كبح جماح الحنين وإطفاء نار الشوق التي تتأجج جذواتها وتتقد بين أضلعي .. فلم أجدني إلا وقد ارتميت بين أحضانه وأنا أصرخ بصوت عال أبي .. أبي ..
أنا " تانيت" ...
بعد أن انطفأت نار الحنين وهدأت عاصفة الاحتضان قبلتُ جبينه وسلمته تلك الزهرة البيضاء .. رنا إلي بنظرة الشوق والحسرة .. ثم سألني بحزن :
هل ماتت البارحة .؟
أجبته بكل ألم : أجل .. ولكن .. كيف عرفت ؟
ابتسم لي وقال مداعباً :
لا تزالين صغيرة يا ابنتي .. أنظري إلى هذه الزهور .. ألم تلحظي ذبولها .. اسأليها متى ولِمَ ذبلت .. ستجيبك حتما .. إنها وحبيبتي تتنفس روحاً واحدة من روحي .. أواه أيتها الحبيبة .. ها أنت قد غادرتِــني وغادرت معك الزهور
قالها بحسرة .. نظر إلي ثم رفع رأسه إلى السماء .. أطلق العنان لآهة طويلة ثم شخص ببصره إلى أعلى ، وفي لحظة من لحظات القدر الرهيبة ودونما استئذان سلم والدي روحه الطاهرة إلى بارئها عن طيب خاطر بعد إن احتضنني ويده تمسك بقوة تلك الزهرة البيضاء ..
أخذت الزهرة البيضاء من يده بلطف والدموع تبلل نحري وظللت أتساءل بيني وبين نفسي .. أأكون السبب في هذا كله .. أيعقل أن يكون لقطرة صغيرة مثلي أن تحدث كل هذه العواصف وأن تغيّـر في مجرى وأنماط الحياة المتصلة بين أهل السماء وأهل الأرض .. سؤال ظل يتململ في ذهني رغم تيقني من أنه لن يعثر على إجابة .
بعد موت والدي ... انسلختُ عن جسدي ولوني وتغيّرت هيئتي إلى فتاة جميلة عذبة .. هكذا تقضي قوانين الحياة في دنيا الطبيعة .
هنا فوق هذه الأرض ألبسوني ثوب الجريمة ظلماً .. كان ثوباً مهلهلاً رائحته تزكم الأنوف ثوب نسجته أيادي بني البشر .. ثوب هو أشبه ببيوت العناكب .. حاولتُ التملص والهروب منه . لكنني لم أفلح .. ماذا جنيتُ بحق من خلق البشر ؟! أنا لستٌ مسئولة عن ضعفي لستُ مسئولة عن همي وغمي .. أنا لستُ مسئولة عن خلقي ...
أيكون عار يستوجب السخرية والانتقام حب أب لأمي .. قالو إنها من السماء وزواجها من أبي هو عار سيلحق بي أينما كنت بل سيلاحق أهل الأرض قاطبة .
ومع ذلك لم أبال .. استأنفتُ مسيرة الحياة .. قطعتُ دروب الأيام الوعرة .. ودست بقدمي الحافيتين أشواك سنين العمر حتى التقيتك فأحببتك .. كنت أخشى الاقتراب منك كثيراً .. لا لشيء إلا لخوفي من أن تسألني من أنتِ .. ومن أين جئتِ ؟ كنت أخشى أن أفقدك أيضاً إذا لم تصدقني .. كنتُ أشعر أنك الوحيد في هذا العالم الواسع القادر على فهمي واحتوائي .. أتذكر أول لقاء كان بيننا .. ألم أطلب إليك حينها عدم سؤالي عن بعض الأمور إن كنت ترغب في أن أمنحك قلبا ووفاء .. غير أنك لم تكن تلوِ على شيء وفتحتَ أذنيك مثلهم وصدقت قصة العار وإفك لعنة السماء .. لم تحرك ساكناً .. كنتَ تنظر إليّ نظرة شك وريبة ..
قل لي بربك ما الذنب الذي اقترفته ..
اخبرني ..
لماذا لا تجيب ..
أقدّر ليّ أن أعيش الأحزان في عالم لا يعترف بطهارة أهل السماء وقطرات المطر ..
سأحمل نفسي بنفسي دون أن يحظى أحد بشرف إعانتي بمن فيهم أنت .. وأغادر مثلما غادر أبي وأمي وإن كنتُ سأعيش الألم .. سأسكب نفسي قطرة قطرة أمام قسوة القدر وظلم البشر ..
نعم سأرحل فما عدت بحاجة إليك
وما عدت بحاجة إلى إثبات طهارتي وعفتي لك .
فها نحن الآن سيدي نلتقي عند ناصية الموت
وإن كانت السماء ستعذبني فهي ستفعل ذلك لغبائي وطيبتي وسذاجتي
لأنني صدقتك ومنحتك كل الثقة .؟
عد من حيث أتيت .. وأنس تانيت الضعيفة
ألم أقل لك إنني كنتُ أخشى الاقتراب منك ..
أقفلتْ عينيها ثم تراجعت إلى الخلف خطوات .. وقفت على شفا الهاوية السوداء .. وطفقت تقبل الزهرة البيضاء التي كانت تحملها في يدها وتشتم أريجها في نفس طويل .. تراءت أمامها في أفق الخيال صورة والديها وهما يلوحان لها بابتسامتهما المعهودة .. ترتجف بشده فتنزلق رجلها فتسقط إلى الهاوية .. تتشبث بزهرة صفراء من الزهو البائسة المتناثرة على حافة الهاوية .. وفي لحظة إيمان وأمل وثقة .. ترفع رأسها إلى السماء وهي تدعو ..
اللهم رب هذا الكون .. يا من خلقت البشر والمطر وقطرات الندى من الماء .. وجعلت منه كل شيء حي .. لا تعذبني في جسدي مثلما عذبت الحياة هنا روحي ؟
وما أن أكملت دعاءها حتى أرسلت السماء شعاعاً من نور في خط مستقيم صوبها سرعان ما تحول إلى دائرة بيضاء طوقت جسدها فتحولت إلى قطرة ماء وانسابت بكل هدوء إلى قاع الهاوية فاهتزت أرض الوادي الأسود وانفلقت وأنبتت زهورا بيضاء .. حملت كل زهرة صورة والديها وهما يبتسمان ابتسامة رضا .
احترامي
مااااااااااشاء الله ماااااااشاء الله عيني متضرك
ردحذفابداع يا زنوبيا ابداع
والله فرحت وجددتى النفس للقراءة والكتابة ربي يحفظك
بجد انى منبهرة لدرجة مش عارفة نعبر !!! انعقد لسانى
بس ان شاء الله فى تعليق ثانى لانى حنقراها اكثر من مرة
صباحك مسك
السلام عليكم
ردحذفيسلمك ربي عزيزتي، (سعيدة لانها نالت اعجابك)
وفـ انتظار حتى نقدك
نشوفوك على خير
قرأت القصة للمرة الأولى ، وها أنا أقرأها مجدداً
ردحذفتتوفر فيها نسبة عالية للنجاح بإذن الله كونها المحاولة الأولى
...
استمري في الحفر
وسستدفق مياه الإبداع عالياً
كل عام وانت بخير
رايي ولمرة الثانية
ردحذفاكثر من رائعة
في انتظار اول كتاب
اشواقي
ناصية الموت الابدي
ردحذفوهل هناك موت مؤقت إلا موت القلوب
وحتي موت القلوب احياناً يكون ادياً إن لم تأتي معجزة لتبعثها بعد ميتتها
تتبعت ما استرسلتي وأعجبني كثيراً
أظن تانيت لم تمت فهي لاتزال تحيا في قلوب الكثير من العذارى ممن كان لذيهن هم يشبه هموم أم تانيت يختلف في المسمى ويتوافق في المضمون فهن ورفلية أحبت قنطراري أو غرباوية أحبت شرقاوي أو شرقاوية أحبت غرباوي وهلم جرة ..
ردحذفأبدعتي وسأنهي بما أنهيتي .. أحترامي
غاليتي أظنني قرأتها ونقلت لك إعجابي
ردحذفاغفري لي تأخرى على الإعراب عن هذا الإعجاب هنا
استمري فحروفك رائعة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
ردحذفاخي أ- ابوبكر
وانت بألف خير
شكرا للتواصل
ريمي غاليتي
ردحذفواشواقي لك أكثر
أدع لي..
نلتقي قريبا بإذن الله
السلام عليك أخي صلاح
ردحذفاشكرك لذائقك
لك احترامي
السلام عليكم
ردحذفاخي الواثق اشكرك لتواجدك بين طيات خربشاتي
لك ودي
السلام عليك غيداء
ردحذفعساك بخير
لا عليكـ فانت دائما حاضرة
نلتــــــــقي بعد الامتحانات
دعواتك